ابن قيم الجوزية

197

البدائع في علوم القرآن

القاسم يتبين لك الرجحان ، واللّه أعلم بما أراد من كلامه ، وإنما هو كد أفهام أمثالنا من القاصرين . فقوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ يتناول مبدأ الخروج وغايته له وللأمة وكان أولى بهذا الخطاب لأن مبدأ التوجه على يديه كان ، وكان شديد الحرص على التحويل . وقوله : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ يتناول أماكن الكون كلها له وللأمة ، وكانوا أولى بهذا الخطاب لتعدد أماكن أكوانهم وكثرتها بحسب كثرتهم واختلاف بلادهم وأقطارهم ، واستدارتها حول الكعبة شرقا وغربا ويمنا وعراقا ، فكان الأحسن في حقهم أن يقال لهم : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ أي من أقطار الأرض في شرقها وغربها وسائر جهاتها ، ولا ريب أنهم أدخل في هذا الخطاب منه صلى اللّه عليه وسلم ، فتأمل هذه النكت البديعة فلعلك لا تظفر بها في موضع غير هذا ، واللّه أعلم . قال أبو القاسم : وكرر الباري تعالى الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات ، لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس : اليهود لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم ، وأهل الريب والنفاق اشتد إنكارهم له ، لأنه كان أول نسخ نزل ، وكفار قريش قالوا : ندم محمد على فراق ديننا فسيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا . وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون : يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل ، وقد فارق قبلة إبراهيم وإسماعيل وآثر عليها قبلة اليهود ، فقال اللّه له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ على الاستثناء المنقطع ، أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون ، وقال : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) [ البقرة ] أي من الذين شكوا وامتروا . ومعنى الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي الذي أمرتك به من التوجه إلى البيت الحرام هو الحق الذي كان عليه الأنبياء قبلك فلا تمتر في ذلك . فقال : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 144 ] ، وقال : وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة : 146 ] أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء . ثم ساق من طريق أبي داود في كتاب « الناسخ والمنسوخ » ، قال : حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة عن يونس عن ابن شهاب ، قال : كان سليمان بن عبد الملك لا يعظم إيليا كما يعظمها أهل بيته ، قال : فسرت معه وهو ولي عهد ، قال : ومعه خالد بن يزيد بن معاوية فقال سليمان وهو جالس فيه : واللّه إن في هذه القبلة التي صلى إليها المسلمون والنصارى لعجبا - كذا رأيته ، والصواب اليهود - قال خالد بن يزيد : أما واللّه إني لأقرأ الكتاب الذي أنزله اللّه